نخبة من الأكاديميين

21

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

ذو نؤاس ، ولكنهُ هزم في معركة غير متكافئة ، ولم يُعرف مصيره بعد ذلك « 1 » . كما فشلت محاولة اليمني سيف بن ذي يزن في مقاومتها ، وعندما استنجد بالقيصر ( البيزنطي ) جاء ردّه ينم عن تعاطف مع الغزاة ، كما بدا في قوله حسب اليعقوبي أيضاً - « هم ( الأحباش ) على دين النصرانية لا أحاربهم » « 2 » . ولعل هذه الرواية تكشف عن ثغرة قد تنال من وقتها ، إذ إن منطق الحدث يفترض استبعاد مثل هذا اللجوء إلى القيصر الأكثر قرباً إلى الأحباش ، دون أن يكون في الوقت عينه خارج التأثر بموجة الاضطهاد الديني التي شكّلت الحافز المباشر للحملة الحبشية ، وفي المقابل تصبح « استغاثة » « 3 » القائد اليمني بكسرى فارس أكثر واقعية ، حين سار إليه حسب الرواية التاريخية بعد إخفاقه في إقناع القيصر البيزنطي بمناصرته ، واجداً لدى الأول تعاطفاً ، كانت المصلحة المشتركة كفيلةً بتحويله إلى دعم عسكري ، أسهم لاحقاً في إجلاء الأحباش عن اليمن . لقد استتبّ الأمر للأحباش إذن في اليمن ، بقيادة أبرهة الذي آلت السلطة الفعلية إليه ، واستعادت البلاد بعض بريقها السابق في عهده ، حيث قام بتجديد سدّ مأرب وإصلاح السدود الأخرى ، فانتعشت الزراعة والتجارة ، كما عمد إلى التشجيع على التنصّر ، مما تجلّى في بناء عدد من الكنائس ، كان أشهرها ما عُرف ب - « القُليس » في صنعاء « 4 » . ولكن المرويات لم تُشر إلى عملياتٍ اضطهادية ضد أصحاب العقائد الأخرى ، إذ دأب أبرهة الطموح ، الذي كرّس نفسه بمثابة ملك على اليمن ، على ترسيخ الاستقرار في البلاد ، ولم يتورّط في صراعات داخلية تعرقل مشروعاً لمّا يستكمل فصوله بعد ، وهو نهجٌ تعدى حينذاك الموقف الخاص بأبرهة ، إلى الموقف العام للأحباش الذين اتسمت سياساتهم بالمرونة ، على الرغم من الخلفية الدينية الظاهرة لحملتهم ، مما يفسّر انفتاح الإسلام في بداياته على الحبشة ، وهجرة المسلمين الأوائل إليها حفاظاً على إيمانهم من الاضطهاد القريشي ، وتسويغ الرسول لذلك ، « بأن بها ملكاً لا يُظلم الناس ببلاده » ، حسب رواية ابن إسحاق « 5 » . ومن هذا المنظور ظلّت الحملة الحبشية مثار جدل لم يتوقف عند فصلها اليمني فحسب بل استمرت تداعياتها في فصلها الحجازي المثير ، والذي ستحدد أبعاده السياسية بصورة أكثر وضوحاً في سياقها . وهي تتجاوز هنا في أسبابها الموضوعية ، ردّة الفعل على الاضطهاد الديني ، لتصبح أكثر اتصالًا بحركة الصراع الفارسي - البيزنطي الذي اتقد مجدداً ، نتيجة ضعف النظام الحمْيري ، وتفشّي الأزمات الداخلية فيه . ولم تكن حملة أبرهة في ما بعد على مكة ، إلّا تأكيداً لهذا الاتجاه السياسي ، إذ تعدى هدفها حينئذٍ السيطرة على تجارة الحاضرة القريشية ومواصلاتها ، إلى الاتصال بمراكز النفوذ البيزنطي في الشام ، تكريساً للتحالف القائم بين الطرفين في مواجهة الجبهة الفارسية المناوئة له . ولو حدث مثل ذلك الاتصال ، لأضحت شبه الجزيرة ، بثرواتها ومواصلاتها ما بين اليمن والشام ، تحت السيطرة المباشرة للبيزنطيين ، وبالتالي فإن خطاً آخر لحركة التاريخ كان سيمسك هؤلاء بزمامه ، وكانت الريادة ستكون لهم على مداه ، بما يستتبع ذلك من إعادة رسم لخارطة المنطقة . ولكن الذي حدث قلب التوقعات والخطط ، حيث أثبتت شبه الجزيرة مرة أخرى مناعتها ، وأن ثمة من يدفع عنها

--> ( 1 ) تاريخ اليعقوبي ج . 1 ص . 199 . ( 2 ) المصدر نفسه ج . 1 ص . 200 . ( 3 ) المكان نفسه . ( 4 ) موسكاتي ، المرجع السابق ص . 216 . ( 5 ) كتاب السِيرْ والمغازي ص . 174 .